المستوطنون وحلفاؤهم اليمينيون في اسرائيل يرفضون حل الدولتين ويطالبون بدولة واحدة لا يعترفون فيها بالفلسطينيين جماعياً كشعب مساوٍ
الأربعاء 28/7/2010
لندن- نشرت صحيفة "ذي غارديان" البريطانية مقالا للكاتب جوناثان فريدلاند جاء فيه: "إذا كان ديفيد كاميرون يشعر بشيء من الإحباط بسبب عدم التقدم في الشرق الاوسط - خارجا عن الدبلوماسية المعتادة خلال زيارته إلى تركيا امس باطلاقه على غزة وصف "معسكر للسجن"- فهو ليس الوحيد الذي يفعل ذلك. "كل شيء عالق"، قالها جمال زحالقة، العضو الفلسطيني في الكنيست خلال زيارة إلى لندن. الحزب القومي العربي الصغير الذي يقوده (التجمع الوطني الديموقراطي) ملتزم بشكل رسمي بحل الدولتين الذي يتعلق بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، لكنه لا يرى أملا في ذلك. يقول إن أولئك الذين تقع في يدهم المسؤولية مهتمون فقط "بإدارة الصراع، وليس في اتخاذ القرار". الحديث عن الدولتين يعيش فقط في غرفة الاجتماعات، لكن لا وجود له على أي أفق مرئي في العالم الواقعي. لقد قيل لي ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس "على وشك" التخلي عن مقاربة حل الدولتين الذي آمن به منذ السبعينيات. وهناك الكثير من اليهود في إسرائيل الذين يشاركونه هذا التشاؤم.
لذلك ليس مفاجئا أن الناس يبحثون عن إجابات أخرى، ما يلقي الضوء على فكرة طالما بقيت على الهامش، أوصى بها المتطرفون والحالمون فقط: "حل الدولة الواحدة". وتدعو هذه الفكرة إلى أن الشعبين المتحاربين يجب ألا يعيشا في كيانين منفصلين، بعلمين وحكومتين منفصلتين، إنما كمواطنين في دولة واحدة. العرب واليهود يجب ألا يواجه بعضهم بعضا في أي مكان كشعب تحت الاحتلال وآخر كقوة احتلال، كما يفعلون الآن. يجب أن يعيشوا جنبا إلى جنب، في دولة مشتركة.
لكن ها هي الحيلة: هذه الرؤية لا تأتي من الرافضين العرب المتشددين، الذين يرفضون أي ترتيب يسمح بدولة يهودية منفصلة، ولا من اليساريين الذين يتبعون المدارس القديمة من الثمانينيات، الذين لم يكونوا يسأمون من الدعوة إلى دولة علمانية ديموقراطية. كلا، الداعون الجدد إلى حل الدولة الواحدة هم اليمينيون الإسرائيليون، بما في ذلك العديد من الشخصيات الاستيطانية البارزة.
كان أبرز من كشف النقاب عن ذلك هو موشي ارينز، الذي كان وزيرا للدفاع والخارجية في حقبة بيغين- شامير قبل عقدين من الزمن. وقد كتب الشهر الماضي أنه حان الوقت لإسرائيل للنظر إلى "خيار آخر"، دولة واحدة على الأرض التي تقوم عليها الآن كل من إسرائيل والضفة الغربية. الفلسطينيون الذين يعيشون فيها، كما يقول ارينز، لن يكونوا شعبا تحت الاحتلال بل مواطنين كاملي الحقوق. وكما جاء في افتتاحية "هآرتس" فإن من المفاجئ أن الوزير الإسرائيلي السابق قد انضمت له مجموعة من الشخصيات اليمينية، بمن في ذلك مؤسس المنظمة الاستيطانية "غوش ايمونيم"، ورئيس طاقم مساعدي نتنياهو سابقاً، وعضو كنيست بارز من "ليكود"، والرئيس الحالي للكنيست.
ولكي نفهم كيف يعد هذا "خرقا للمحرمات"، تذكروا قضية الأستاذ توني جودت. في العام 2003 طرح هو كذلك فكرة دولة واحدة يتشارك فيها اليهود والعرب. مقال جودت قوبل فراً بالادانة باعتباره هرطقة مناوئة للصهيونية، وأصبح منبوذا بين الكثيرين المناصرين لاسرائيل. ووصف جودت لاحقا بأنه على اليسار المتطرف في النقاش الفلسطيني- الاسرائيلي. ومع ذلك فإن هذه الأفكار نفسها تذاع من جانب اليمين المتطرف.
لهذه الأسباب كلها، ليس من الصعب معرفة السبب في أن هذه الفكرة التي كانت فكرةً محرمة ذات يوم أصبحت محببة للمعسكر القومي في اسرائيل. حل الدولتين قد يمثل الحكمة التقليدية في أرجاء العالم، وتؤيده كل الحكوات الديموقراطية تقريبا، لكن بالنسبة الى المستوطنين وحلفائهم فان الفكرة بحد ذاتها تبدو فيها ملامح دوامة: أي تقسيم للأرض يفترضون أنه يعني تفكيك البلدات والقرى التي يصفونها بأنها الوطن. وبالنسبة الى المتعصبين، فهذا يعني ترك الاماكن التي يعتبرونها جزءا من الوطن التوراتي القديم. ويهدد بعضهم بالمقاومة المسلحة، ويحذر الجنود اليمينيون بأنهم سيرفضون إخلاء أي مستوطنة. ولكن إن كانت هناك دولة واحدة، فيمكن تجنب كل الأزمات. وقال رئيس الكنيست العضو في ليكود، رؤوبين ريفلين :"من المفضل بالنسبة الى الفلسطينيين أن يصبحوا مواطنين في الدولة على أن نقوم بتقسيم البلاد". وأكثر من ذلك فليس هناك مكان للجدار الحالي، أو جدار الفصل، الذي يعتقد بعض اليمينيين أنه يشوه ويقسم بشكل مصطنع ما يجب أن يكون مقدسا، وهو أرض اسرائيل الكاملة.
كيف توصل اليمين إلى هذا الإدراك الجديد؟ قبل إخلاء اسرائيل لقطاع غزة عام 2005 كان أي كلام عن دولة واحدة يثير الخوف الديموغرافي في قلوب الاسرائيليين. وإذا اضطرت اسرائيل لاستيعاب الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة معا فإن إجمالي عددهم سيهدد على الفور الغالبية اليهودية: سيكون هناك تعادل عددي بين اليهود والعرب. ولكن بالنسبة الى ارينز وجماعته، فالارتباط مع غزة مقطوع الآن، ويُخرج سكانها المليون ونصف المليون من الحسابات، كما حدث بالفعل. وهذا يترك فلسطينيي الضفة الغربية، الذين يتراوح عددهم بين 1،5-2 مليون نسمة، والذين تستطيع اسرائيل استيعابهم.
من النظرة الأولى، يبدو هذا التوجه مغريا للفلسطينيين أيضا. الكثيرون سئموا انتظار دولة لا تتحقق أبدا: فلماذا لا يواصلون النضال على جبهة جديدة، مستخدمين قوة أعدادهم في صندوق الاقتراع؟ ستكون هناك فوائد فورية. فالعائلات المشتتة على خطوط حرب 1967 يمكن أن يجتمع شملها من جديد، ويمكن للفلسطينيين الوصول إلى أعمال وفرص اقتصادية داخل اسرائيل.
ولكن عليهم ان يتوقفوا. فمن جهة، لا يقدم دعاة الدولة الواحدة اليمينيون أي وعود: وهم يحذرون بان منح الجنسية سيكون "تدريجياً". كما انهم لا يعرضون دولة ثنائية القومية حقاً تمنح مكانةً متساوية لابناء الشعبين. وبدلاً من ذلك ستبقى اسرائيل دولةً يهودية، ولن يعرض على فلسطينيي الضفة الغربية سوى الحقوق المدنية التي تحق لهم كأفراد، من دون أي اعتراف جماعي بهم كقومية. وسيعاملون الى حد كبير مثل معاملة المليون فلسطيني الذين هم مواطنون اسرائيليون. وبالنظر الى تاريخ التمييز الطويل الذي اخضع له ابناء تلك المجموعة، فان هذا الاحتمال قد لا يكون جذاباً.
عندما طرحت الفكرة على زميلة زحالقة، عضو البرلمان حنين الزعبي، كانت مصرة على رأيها: ان قبول مثل هذا العرض سيعني التخلي عن مطالبة الفلسطينيين بالسيادة على الضفة الغربية. "نحن لن نتخلى عن ذلك ابداً".
ولدى اليهود الاسرائيليين كل الاسباب ليكونوا متشككين بدرجة مساوية في الحديث عن الدولة الواحدة. فاذا كانت الزعبي مصيبة في قولها ان اهالي الضفة الغربية لن يقبلوا ان يكونوا مواطنين في دولة يهودية، فسيكون البديل عندئذ كياناً ثنائي القومية بالمعنى الصحيح. ولكن ما هي الادلة المتوافرة على ان الشعبين اللذين لم يتمكنا من مسايرة بعضهما بعضاً بما يكفي للتفاوض على طلاق، ستكون علاقتهما افضل في زواج؟ ان التأييد لمثل هذه الفكرة يقرب من صفر. ومن الصعب رؤية حدوث تغيير في ذلك ما دام الاسرائيليون، واليهود في انحاء العالم، يواصلون التوق الى الشيء الذي يعتبره كل شعب آخر تقريباً امراً مضموناً: أي دولة خاصة بهم.
ومع ذلك فان هذا التطور لا ينبغي تجاهله على الفور. اذ يقول دعاة الدولة الواحدة اليمينيون انهم يثيرون القضية الآن لأن الوضع الحالي صار وضعاً لا يمكن التسامح تجاهه بالنسبة الى الرأي العام العالمي. وقال اح نواب حزب "ليكود": "المجتمع الدولي يتخذ ذلك الموقف لأننا ما زلنا قوة احتلال. ستكون هناك شرعية اكبر عندما ينتهي الاحتلال".
ان كون اليمين قد توصل الى ادراك هذه الحقيقة في نهاية المطاف هو نبأ سار في حد ذاته. ويقول ابراهام بورغ، وهو سياسي عمالي سابق يقوم برحلة عقائدية بمفرده، ان هذه الهمهمات الجديدة من اليمين ستشكل ضغطاً على نتنياهو وترغمه على التوصل الى حل على اساس دولتين قبل فوات الاوان. ويوضح بورغ ان "ايام حل الدولتين معدودة، فهو حل لن يبقى للابد، من دون تاريخ انتهاء".
ويراهن اليمين الاسرائيلي على فرضية ان الوقت قد فات فعلاً. ويتوقف على اولئك الذين ما زالوا يعتقدون بان حل الدولتين يمثل آخر وافضل امل لكل من الفلسطينيين والاسرائيليين ان يثبتوا ان اليمينيين على خطأ.