العدوُّ الإيراني!

جواد البشيتي
الأثنين 8/2/2010
اختارت طهران أنْ تُثْبِت لخصوم برنامجها النووي، أكانوا، في مخاصمتهم له، من ذوي المصلحة الطبيعية الحقيقية الضخمة أم من ذوي المصلحة المصطنعة الزائفة المضخَّمة، أنَّ مزيداً من الضغوط والعقوبات لا يخيفها، ولن ينال من قوَّتها التفاوضية، فقرَّرت، عبر الأمر الذي أصدره الرئيس الإيراني نجاد، أن تمضي قُدُماً في تخصيب اليورانيوم، وفي زيادة نسبة تخصيبه (الذاتي، وفي داخل الأراضي الإيرانية) حتى 20 في المئة.


الزيادة والتشديد في العقوبات "الدولية" المفروضة على إيران، والتي يكمن فيهما توقُّع "إيجابي" هو أن تستخذي طهران وتخضع، وتخوُّف، في الوقت نفسه، من أن تكونا الرحم الذي فيه ينمو جنين حرب ضدها، أو أزمة تَدْفَع إلى هذه الحرب، هما الآن الاتِّجاه الذي قد تسير فيه "أزمة" البرنامج النووي الإيراني، التي ما كان لها أنْ تسوَّى وتُحَل نهائياً، على ما أتوقَّع، لو لبَّت طهران شروط "التبادل النووي" في الطريقة التي استمسكَ بها خصومها، وفي مقدَّمهم الولايات المتحدة، فليس ثمَّة ما يمنع من أن يُزْعَم، بعد ذلك، أنَّ إيران تُخصِّب سِرَّاً بعض اليوارنيوم، وينبغي لها، بالتالي، أن تقيم الدليل لهم على أنَّها بريئة من هذه التهمة، فاستمرار "الطرفين" في تبادل "عدم الثقة" خيرٌ لهما، على ما يبدو، من "التبادل النووي"!


إدارة الرئيس أوباما، مع ما يكمن في موقفها من دافع إسرائيلي قوي، تريد مزيداً من العقوبات "الدولية" ضد إيران "ذات النيِّات النووية السيئة والشرِّيرة"، ومزيداً من التدويل لهذه العقوبات؛ ولكن ليس لكونها تثق بجدواها التفاوضية والسياسية؛ وإنَّما لكونها تتوقَّع أن تتمخَّض العقوبات الجديدة المشدَّدة عن أعمال وتصرُّفات إيرانية "طائشة"، فتتهيَّأ لها فرصة لاستجماع مزيدٍ من التأييد الدولي والإقليمي لعملٍ عسكري ضدَّها، فكلَّما زادت إيران منسوب تخصيبها لليورانيوم ارتفع منسوب العداء الدولي والإقليمي لها، والذي هو عداء تتقاسم إسرائيل والولايات المتحدة حصَّة الأسد منه.


وردعاً لإيران عن القيام بـ "عمل طائش"، ودرءاً لمخاطر من هذا القبيل، قامت الولايات المتحدة بتعزيز قواها الدفاعية الصاروخية في غالبية دول مجلس التعاون الخليجي، فالعقوبات الآتية يمكن أن تشدِّد لدى طهران "الميل العدواني"، فتضرِب (أو تعتدي على) ما هو في متناول آلتها العسكرية (وقواها الصاروخية) هنا.


العداء العربي للنزعة النووية لإيران، التي (أي إيران) لديها من المصالح والأهداف والدوافع ما زيَّن لها أن تسلك سلوكاً، وأن تنتهج سياسة، عادا عليها بكثيرٍ من الخسارة في رصيدها الشعبي العربي أيضاً، والذي (أي العداء العربي) ازداد، ويزداد، ظهوراً، ليس بالعداء الذي يحظى بشرعية سياسية عربية إذا ما نُظِر إليه من وجهة نظر السياسة في عالمها الواقعي، أي في عالمها الذي لم تنتمِ إليه السياسة العربية بعد؛ فلماذا يستبدُّ بنا نحن أيضاً القلق والخوف من برنامج إيران النووي، ومن "نيَّاتها النووية السيئة والشرِّيرة"؛ بل لماذا نخشى "القنبلة النووية الإيرانية" إذا ما أصبحت حقيقة واقعة؟!


في موقف هو أقرب إلى "الببغائية السياسية" منه إلى "السياسة"، نقول إنَّ إيران (ويا للهول!) لا تُزْمِع إنتاج طاقة كهربائية من اليورانيوم الذي تتوفَّر على تخصيبه، وزيادة تخصيبه، وإنَّما إنتاج "قنبلة نووية"، فكيف لنا أن نعيش في أمن وأمان مع حيازة طهران لسلاحٍ نووي، ومع حيازتها، في الوقت نفسه، لـ "برنامج" من "النيِّات السياسية والاستراتيجية الشرِّيرة (حتى من وجهة نظر "المصالح" العربية)"؟!


ومن قبل، لبسنا لبوس "الخُضْر"، أي أصدقاء ومحبِّي البيئة، فاستذرعنا بمخاطر التلوُّث الإشعاعي التي يمكن أن تنتشر من مفاعل نووي إيراني؛ ولكنَّ موقفنا هذا لم يكن واقعياً بما يكفي لاستمساكنا به زمناً طويلاً، فنحن كنَّا جزءاً من السبب الذي أدَّى إلى تلوُّث إشعاعي حقيقي في العراق.


إنَّنا نحاوِل أنْ نُظْهِر أنفسنا على أنَّنا نعلم علم اليقين ما ظَهَر وما استتر من البرنامج النووي الإيراني؛ ولكنَّ تجربتنا في استقصاء "البرنامج النووي الإسرائيلي" لا تسعفنا، فكل ما نملك من معرفة وعلم في أمر "إسرائيل النووية (من رأسها حتى أخمص قدمها)" ما كان لنا أن نملكه لو أنَّ إسرائيليين وصحافيين غربيين لم يفشوا بعض السرِّ، فهل من دولة عربية تجرؤ على الزعم أنَّها توصَّلت هي بنفسها إلى الكشف ولو عن نزر من الأسرار النووية الإسرائيلية؟!


إنَّ الولايات المتحدة لا تجادِل، ولا يمكنها أن تجادِل، في أنَّ بعض الدول العربية لعلى "خُلْق نووي عظيم"، وفي أنَّ "نيَّاتها النووية" هي "الخير خالصاً"؛ فهل تبقى على ودِّها لها إنْ هي قرَّرت أن تبتني لها برنامجاً نووياً مشابهاً للبرنامج النووي الإيراني لجهة استقلاله، وقيامه على مبدأ "الاعتماد على النفس"؟!


إنَّها لن تسمح لها أبداً بذلك، فإسرائيل وحدها (في الإقليم) هي التي يحقُّ لها أن تنشىء وتطوِّر برنامجاً نووياً سرِّياً مستقلاً، أنتجت بفضله حتى الآن نحو 200 رأس نووية، وبقي بفضل الولايات المتحدة بمنأى عن الرقابة الدولية.


حتى في التسلُّح غير النووي غير مسموح لنا بأن نتسلَّح بما يسمح لنا بأن نردع بأنفسنا "العدو الإيراني" عن الاعتداء علينا عسكرياً، مع أنَّ لدينا من القطع النادر ما يكفي لجعلنا نملك أكثر وأفضل ممَّا يملكه هذا "العدو" من سلاح غير نووي، وكأنَّ لبَيْتِنا "ربَّاً يحميه"، وكأنَّ الولايات المتحدة هي هذا "الربُّ الأبدي"!


إسرائيل، وهي العدو القومي الحقيقي والأعظم لنا، لا نَعْرِف من "فِعْل" العداء لها إلاَّ ما يَزِن أقل بكثير ممَّا تَزِن "الأقوال"، وما يزيدها قوَّةً، ويزيدنا ضعفاً؛ أمَّ العدو الذي يخترعونه لنا اختراعاً فلطالما تمخَّض صراعنا ضدُّه عن نتائج وعواقب لا تختلف كثيراً عمَّا أصاب ذاك المستجير من الرمضاء بالنار (التي هي عندنا كناية عن الولايات المتحدة).


في صراعنا ضدَّ العدو الحقيقي، لا نملك إلاَّ أن نتمنى على الولايات المتحدة أن تقودنا إلى السلام مع إسرائيل؛ أمَّا في صراعنا ضدَّ غيره فلا نملك إلاَّ أن نكون جنوداً للولايات المتحدة في الحروب التي تخوضها وتقودها ضدَّه.


وفي التجربتبن، أي تجربة السلام مع إسرائيل، وتجربة الانضمام إلى الولايات المتحدة في حروبها، لا يتأكَّد دائماً إلاَّ أمراً واحداً هو أنَّنا لا نعرف من الصراع الحقيقي إلاَّ الصراع ضد أنفسنا، وضدَّ مصالحنا وقضايانا، وكأننا في دولٍ لم تنلْ من الاستقلال والسيادة، ومن قوام العلاقة السوية بين الحاكم والمحكوم، إلاَّ ما يضمن بقاءنا على ما نحن عليه من حالٍ، تسرُّ العدى، وتغيظ الصديق!





.

إضافة تعليق


| عدد التعليقات:0 |

بعيداً عن المفاوضات : أرزه وزيتونه
يوم العيد في فلسطين
كله عنده معقد
فالنتينا أبو عقصة في بيوت الأسيرات المحررات ومشروعها ال
الدكتور نبيل شعث متوجهاً لعرب 48 : أنتم الزيتون والسندي
الحركة العربية للتغيير ترسل كوكبة جديدة من الطلاب للدرا
الحروف عربية بس اللغة غريبة
الرياضة التفاعلية تبلغ ذروتها في المعرض الدولي للألعاب
"أي بي أم" تطرح أنظمة "باور 7" الجديدة
رئيس الوزراء: السلطة الفلسطينية لن تحتاج دعما للميزانية

* الآراء الواردة في الموقع تعبّر عن وجهة نظر أصحابها فقط * كافة الحقوق محفوظة لشركة يافا نت
Fax: +972-57-979-584 Email: info@al-arabeya.net